فخر الدين الرازي
33
تفسير الرازي
في : * ( يوم ) * هو ما بعده ، وهو قوله : * ( يخرجون من الأجداث ) * والداعي معرف كالمنادي في قوله : * ( يوم ينادِ المناد ) * ( ق : 41 ) لأنه معلوم قد أخبر عنه ، فقيل : إن منادياً ينادي وداعياً يدعو وفي الداعي وجوه أحدها أنه إسرافيل وثانيها : أنه جبريل وثالثها : أنه ملك موكل بذلك والتعريف حينئذ لا يقطع حد العلمية ، وإنما يكون ذلك كقولنا : جاء رجل فقال : الرجل ، وقوله تعالى : * ( إلى شيء نكر ) * أي منكر وهو يحتمل وجوهاً أحدها : إلى شيء نكر في يومنا هذا لأنهم أنكروه أي يوم يدعو الداعي إلى الشيء الذي أنكروه يخرجون ثانيها : نكر أي منكر يقول : ذلك القائل كان ينبغي أن لا يكون أي من شأنه أن لا يوجد يقال : فلان ينهى عن المنكر ، وعلى هذا فهو عندهم كان ينبغي أن لا يقع لأنه يرديهم في الهاوية ، فإن قيل : ما ذلك الشيء النكر ؟ نقول : الحساب أو الجمع له أو النشر للجمع ، وهذا أقرب ، فإن قيل : النشر لا يكون منكراً فإنه إحياء ولأن الكافر من أين يعرف وقت النشر وما يجري عليه لينكره ؟ نقول : يعرف ويعلم بدليل قوله تعالى عنهم : * ( يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ) * ( يس : 52 ) . ثم قال تعالى : * ( خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَْجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ) * . وفيه قراءات خاشعاً وخاشعة وخشعاً ، فمن قرأ خاشعاً على قول القائل : يخشع أبصارهم على ترك التأنيث لتقدم الفعل ومن قرأ خاشعة على قوله : تخشع أبصارهم ومن قرأ خشعاً فله وجوه أحدها : على قول من يقول : يخشعن أبصارهم على طريقة من يقول : أكلوني البراغيث ثانيها : في : * ( خشعاً ) * ضمير أبصارهم بدل عنه ، تقديره يخشعون أبصارهم على بدل الاشتمال كقول القائل : أعجبوني حسنهم . ثالثها : فيه فعل مضمر يفسره يخرجون تقديره يخرجون خشعاً أبصارهم على بدل الاشتمال والصحيح خاشعاً ، روي أن مجاهداً رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له : يا نبي الله خشعاً أبصارهم أو خاشعاً أبصارهم ؟ فقال عليه السلام : خاشعاً ، ولهذه القراءة وجه آخر أظهر مما قالوه وهو أن يكون خشعاً منصوباً على أنه مفعول بقوله : * ( يوم يدع الداع ) * خشعاً أي يدعو هؤلاء ، فإن قيل : هذا فاسد من وجوه أحدها : أن التخصيص لا فائدة فيه لأن الداعي يدعو كل أحد ، ثانيها : قوله : * ( يخرجون من الأجداث ) * بعد الدعاء فيكونون خشعاً قبل الخروج وإنه باطل ، ثالثها : قراءة خاشعاً تبطل هذا ، نقول أما الجواب عن الأول فهو أن يقال قوله : * ( إلى شيء نكر ) * يدفع ذلك لأن كل أحد لا يدعى إلى شيء نكر وعن الثاني المراد : ( من شيء نكر ) الحساب العسر يعني يوم يدع الداع إلى الحساب العسر خشعاً ولا يكون العامل في : * ( يوم يدعو ) * يخرجون بل اذكروا ، أو : * ( فما تغني النذر ) * كما قال تعالى : * ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) * ( المدثر : 48 ) ويكون يخرجون ابتداء كلام ، وعن الثالث أنه لا منافاة بين القراءتين ؛ وخاشعاً نصب على الحال أو على أنه مفعول يدعو